كان يامكان، كان في زماااان زمان لغة جميلة وجليلة، إسمها...اللغة العربية...ظلت معانيها لعصور طويلة..صادقة وقوية...لكن اجيال ورا اجيال ذهبت الى الزواال واتبدل الحال بالحال على يد الأشبال...
أبدأ منين؟؟ أقول إيه؟؟
ترددت كثيرا قبل كتابة هذا المقال لأني لا أزعم مطلقا أني سيبويه عصري في اللغة العربية ولا استثني حالي من مشاركتي الفعالة ومساهمتي القوية في اضمحلال اللغة مثل أغلب الشباب والفتيات من جيلي، لكني قررت أخيراً البحث في ظاهرة فقدان الكلمة لمعناها...
كانت البداية عندما قررت أنا وبعض الأصدقاء بدء لعبة سويا تنص على الالتزام بالكلام باللغة العربية الفصحى(هي الفصحى ولا الفصحة صحيح؟؟) لمدة 15 دقيقة وكانت النتيجة.. إحم...لم ينجح أحد، اذن 10 دقائق...طيب وحياة ال 15 سنة مدارس وجامعات 5 دقائق بس نكمل من غير كلمات أجنبية وبلغة سليمة (وسليمة دي تحتها ألف خط) وشعرنا بالمعاناة، وبضيق أجنبي يتعلم اللغة ويحاول تجميع الكلمات من هنا وهناك وربنا يسهل. وجدت أن اختيارنا للكلمات انحصر في نطاق أو مستوى طفل في العاشرة من عمره وأن الجمل التي نستخدمها تتلخص في الاتي وركزوا في الاتي ده وراجعوا كلامنا كده:
3أو 4 كلمات عربي على لغات مختلفة (الكثير من اللغات المختلفة في الواقع) والباقى هو مفردات مجاملة فارغة من المعنى، ليس لها محل من الإعراب ولا هدف فى السياق، تقدر تقول عالة على الجملة. طيب أنا مش ضد استعارة كلمات اجنبية اذا كنت عارف تتكلم بلغتك بصورة مشرفة وموضوع الإستعارة وضعف اللغة ده قتل بحثا، انا واقفة دلوقت على الكلمات التي فقدت معناها بسبب استهلاكها عالفاضي ومش المليان. خذ ابسط جملة نستخدمها يوميا وقارن معايا كيف كانت وكيف أصبحت (مع إن كانت وأصبحت اخوات بس شتااان في النتيجة).
زمان: صباح الخير يا منى (مين منى دي؟ ما علينا) أو صباح الخير يا أحمد.
الان: هااااييي يا كوكو ازيك يا جميلة؟ صباح الفل يا قمر واحشاني يا بطة والله.(دول بنات طبعا واضحة) ومرة أخرى لا أنقض أحد ولا استثني نفسي.
أما بالنسبة للسادة الرجال فتتحول الجملة الى: عمي وعم الشباااب صبح يا مااان صباحو بيضحك يا كبيييير.سلام يا معلم..(على فكرة ال spelling&grammer checker بيقولي يستحسن إعادة صياغة هذه الجملة..أحرجني!).
وهكذا سلسلة من العبارات الغير موظفة في السياق. من أين أتت كل هذه العبارلت وكيف اقتحمت كلامنا ولماذا؟ هي ليست دلالة على المحبة والغلاوة هم يعني زمان كانوا بيكرهوا بعض؟!!
النهاردة لو حد ناداك بإسمك كده فقط "تعالى يا محمد عاوزك" أكيد هتقول أنه زعلان منك أو عاوز يعاتبك على موقف ما، وياسلام لو كان ده مديرك يبقى يا ليلة سودة.
طيب حد يحاول يفكر ويحل معايا الأسئلة دي كده يمكن نكسب جائزة أصحاب العقول في زمن الفول.
إيه سبب تفشي هذه الظاهرة؟ يعني ليه بنلجأ لمثل هذه الكلمات؟
هي دي ظاهرة صحية ومجرد التطور الطبيعي للحاجة الساقعة قصدي للغة؟
إيه المشكلة لما نكثر من عبارات المجاملة يعني احنا خاسرانين ايه؟
طبعا ده مجرد رصد للظاهرة ومحاولة اكتشاف أسبابها بحثا عن التغيير لا أكثر ولا أقل وهجاوب على الأسئلة من وجهة نظري في حدود معرفتي الضئيلة.
أولايمكن أن نعدد أسباب لا حصر لها أدت الى انتشار هذه الظاهرة منها وأهمها
وسائل الإعلام التي تكرث كل طاقتها للترويج لشييء تافه بطرق مبتذلة تستخف بعقول المشاهد بدءً من اللغة المنحدرة مروراً بالصورة القبيحة المبتذلة وانتهاءً بغياب المضمون وتفاهة المعلن عنه، اذن مش هنسمع لغة محترمة.
أننا لا نقرأ. معدل قراءة الفرد العربي في السنة مخزي اذا قورن بمعدل الفرد الأجنبي(ده بإفتراض اننا بنقرا أصلا، القلة دول كتر خيرهم برضو).وبكده مش هنسمع لغة ولا هنقرأها طب نجيبها منييين؟
أحياناً وأكرر أحياناً(مش كل الناس ينطبق عليها هذا السبب) يلجأ البعض لإستخدام مثل هذه المفردات لإخفاء حقيقة مشاعر أو انعدام وجودها من الأصل"أيوة بتحصل متنكروش" مثلاً جارك في العمارة علاقتكم لا تتعدى الجيرة فتجامله بكلمتين حلوين اهو كله فميزان حسناتك والنبي وصى على سابع جار...طيب لو زميل في العمل مضطر تتعامل معه مع أنك مش مولع بحبه وانتوا فاهمين طبعاً فيلجأ البعض للمجاملة بزيادة والإكثار من العبارات الملطفة "عشان تطري الأعدة وتزحلق الوقت بدون احتكاك يؤدي لإشتعال الحرائق.
لو مش فاكر اسم احدهم وبتحاول تهرب بصنعة لطافة.
ملحوظة: أنا رافضة بشدة اللجوء لتفسير "هذه سمة عصر السرعة" لأن المعنى ممكن يوصل بدقة أكثر وفي ربع الوقت اذا تم حذف هذا الكم من المجاملات.
السؤال الثاني هل هي ظاهرة صحية؟؟ وهل ده تطور طبيعي؟
طبعاً لأ وليس لها أي صلة من قريب أو بعيد بتطور اللغة لأن اللغة العربية غنية جداً ومتجددة وثرية الى أبعد الحدود وأشكال تطورها تأتي في صورة ابتكار مفردات جديدة تلائم التطور التكنولوجي ومتطلبات العصر وأيضاً استعارات وتشبيهات تناسب البيئة المحيطة واستخدام المجتمع بكل فئاته، ولكن لا يمكن أن يكون التطوربفقدان الكلمات لما تحمله من معنى. هذا الشكل من التغير يعتبر تأخر وتراجع في استخدامنا للغة وعلى رأي د/علاء الأسواني في عمارة يعقوبيان "احنا في زمن المسخ" والمسخ طال اللغة كمان فأصبح مسخ لغوي...أي جامدة مسخ دي شكلي بقيت نفخ ولا ايه؟؟!!
وأخيراً رداً على سؤال وايه يعني؟ فين المشكلة الى بتهددنا بسبب الظاهرة اللغوية دي؟ يعني الواحد لما لغته تنأح عليه الوجع ييجي فين؟
المشكلة ان الكلمة توقفت عن تأدية دورها في اللغة وهو توصيل معنى محدد بدقة بالغة فأصبحت الكلمات الان بدون رصيد لغوي زي الجنيه المصري كدة مالهوش رصيد ذهب في البنك...يعنى خذ مثال أيام أفلام الأبيض والأسود كان البطل يقول لحبيبته انت جميلة تقوم تحمر وتصفر ويبقى فاضل لهل جناحين وتطير..أو تقوله هي بحبك فيدرك أنه أسعد انسان في الوجود لأن معنى الكلمة أنها ستكرث حياتها لإسعاده. وكان شعارهم أفعال لا أقوال، الظاهر أن أيام الأبيض والأسود كانت أوضح كان الأبيض أبيض والأسود اسود.
أما في أيامنا الغبرة هذه فكلمة يا جميل أو يا جميلة لم يعد لها نفس التأثير وكلمة بحبك لم تعد بنفس القوة.كله مستهلك لدرجة انك أحياناً لا تستطيع تفسير ما وراء الكلام يعني بالبلدي ماتعرفش تقرا اللي قدامك.
ويبقى أن أقول أن اللغة نشاط مثل كافة الأنشطة يحتاج للممارسة من أجل البقاء والظهور بمستوى لائق وكما قال دارون في نظرية الإرتقاء والتطور"العضو الذي يهمل يضمر ويموت، أما العضو الذي يستخدم ينمو ويقوى" كذلك اللغة اذا تركناها ماتت وذهبت الى الزوال.
ولي تساؤل أخير أتركه لكم..هل الكلمة هى اللي فقدت معناها ولا إحنا اللي فقدنا صدق احساسنا؟؟
No comments:
Post a Comment